عباس محمود العقاد
149
أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع )
وقد أفاد من هذه النشأة البدويّة بعض أشياء تنفع الأقوياء ، ولكنّها على ما هو مألوف في أعقاب السلالات القويّة تضيرهم وتجهز على ما بقي من العزيمة فيهم . . فكان ما استفاده من بادية بني كلب بلاغة الفصحى وحبّ الصيد وركوب الخيل ورياضة الحيوانات ولا سيّما الكلاب . وهذه صفات في الرجل القوي تزيّنه وتشحذ قواه ، ولكنّها في أعقاب السلالات أو عكارة البيت - كما يقال بين العامّة - مدعاة إلى الإغراق في اللهو والولع بالفراغ ؛ لأنّها هي عنده كلّ شيء ، وليست مددا لغيرها من كبار الهمم وعظائم الهموم . وهكذا انقلبت تلك الصفات في يزيد من المزية إلى النقيصة . . فكان كلفه بالشعر الفصيح مغريا له بمعاشرة الشعراء والندماء في مجالس الشراب ، وكان ولعه بالصيد شاغلا يحجبه عن شواغل الملك والسياسة ، وكانت رياضته للحيوانات مهزلة تلحقه بأصحاب البطالة من القرّادين والفهّادين . فكان له قرد يدعوه « أبا قيس » يلبسه الحرير ، ويطرّز لباسه بالذهب والفضّة ، ويحضره مجالس الشراب ، ويركبه أتانا في السباق ، ويحرص على أن يراه سابقا مجليا على الجياد ، وفي ذلك يقول يزيد - كما جاء في بعض الروايات - : تمسّك أبا قيس بفضل عنانها * فليس عليها إن سقطت ضمان ألا من رأى القرد الذي سبقت به * جياد أمير المؤمنين أتان « 1 »
--> ( 1 ) انظر : مروج الذهب 3 : 77 ، حياة الحيوان للدميري 2 : 201 .